ابن المقفع

275

آثار ابن المقفع

قال لها مالك الحزين : إذا أتاك ليفعل ما تقولين فقولي له : لا ألقي إليك فرخي فارق إليّ وغرّر بنفسك ، فإذا فعلت ذلك وأكلت فرخيّ طرت عنك ونجوت بنفسي . فلما علمها مالك الحزين هذه الحيلة طار فوقع على شاطيء نهر ، وأقبل الثعلب في الوقت الذي عرف فوقف تحت النخلة ، ثم صاح كما كان يفعل . فأجابته الحمامة بما علمها مالك الحزين . فقال لها : أخبريني من علمك هذا ؟ . . قالت : علمني مالك الحزين . فتوجه الثعلب حتى أتى مالكا الحزين على شاطىء النهر فوجده واقفا ، فقال له الثعلب : يا مالك الحزين ، إذا أتتك الريح عن يمينك فأين تجعل رأسك : قال : عن شمالي . قال : فإذا أتتك عن شمالك فأين تجعل رأسك ؟ قال أجعله عن يميني أو خلفي . قال : فإذا أتتك الريح من كل مكان وكل ناحية ، أين تجعله ؟ قال : أجعله تحت جناحي . . قال : وكيف تستطيع ان تجعله تحت جناحيك ؟ ما أراه يتهيأ لك . قال : بلى . قال : فأرني كيف تصنع ، فلعمري ، يا معشر الطير ، لقد فضلكن اللّه علينا إنكن تدرين في ساعة واحدة مثل ما ندري في سنة ، وتبلغن ما لا نبلغ وتدخلن رؤوسكن تحت أجنحتكن من البرد والريح ، فهنيئا لكن ، فأرني كيف تصنع ؟ فأدخل الطائر رأسه تحت جناحيه فوثب عليه الثعلب مكانه فأخذه فهمزه همزة دق عنقه ، ثم قال : يا عدو نفسه ، ترى الرأي للحمامة وتعلمها الحيلة لنفسها ، وتعجز عن ذلك لنفسك حتى يتمكن منك عدوك ، ثم قتله وأكله . ألهمنا اللّه ان نكون من المؤتمرين لما يأمرون والمنتصحين بما ينصحون . فلما انتهى المنطق بالفيلسوف إلى هذا الموضع سكت الملك . فقال الفيلسوف : أيها الملك ، عشت الف سنة وملكت الأقاليم السبعة ،